فصل: كتاب الطَّهَارَة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.كتاب الطَّهَارَة:

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب الطَّهَارَة:

.بَاب المَاء الطَّاهِر:

قَالَ الله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم: {وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ}.
وَقَالَ: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا}.
ذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث سِتَّة أَحَادِيث:

.الحديث الأول:

ورد فِي الْبَحْر قَوْله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح جليل، مَرْوِيّ من طرق، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة:
أَولهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر- عَلَى الْأَصَح- عِنْد جمَاعَة من الْحفاظ، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الْأَصَح من نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، كَنَّاه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأبي هُرَيْرَة- وَقيل: أَبوهُ- لمَّا رَآهُ وَقد جمع أَوْلَاد هِرة وحشية، حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ- أَيْضا- فِي أَمَالِيهِ- قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء، فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته».
رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، أهل الْحل وَالْعقد: مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، والدارمي فِي مسانيدهم، وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ، وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَبُو مُحَمَّد بن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى، وَأَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
قَالَ: وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيث صَحِيح.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْمعرفَة: هُوَ حَدِيث صَحِيح، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ.
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْبَحْر: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ، الْحل ميتَته».
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، مُتَّفق عَلَى صِحَّته.
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند: هَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور، أخرجه الْأَئِمَّة فِي كتبهمْ، وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَرِجَاله ثِقَات.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام، والإِلمام: رجح ابْن مَنْدَه صِحَّته.
وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر، فَقَالَ فِي تمهيده: اخْتلف أهل الْعلم فِي إِسْنَاده. قَالَ: وَقَول البُخَارِيّ: صَحِيح. لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنْهُ؟! وَلَو كَانَ صَحِيحا عِنْده، لأخرجه فِي كِتَابه. قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده. قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح؛ لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ، لَا يُخَالف فِي جملَته أحد من الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بعض مَعَانِيه.
وَهَذَا الْكَلَام من الْحَافِظ أبي عمر فِيهِ نظر كَبِير، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين تعقَّبه، فَقَالَ فِي شرح الإِلمام: قَوْله: لَو كَانَ صَحِيحا لأخرجه فِي كِتَابه. غير لَازم؛ لِأَنَّهُ لم يلْتَزم إِخْرَاج كل حَدِيث صَحِيح. وَأما قَوْله: لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده. فقد ذكرنَا فِي كتاب الإِمام وُجُوه التَّعْلِيل الَّتِي يُعلل بهَا الحَدِيث.
قلت: وحاصلها- كَمَا قَالَ فِيهِ- أَنه يُعلل بأَرْبعَة أوجه:
أَحدهَا: الْجَهَالَة بِسَعِيد بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده، وادَّعى أَنه لم يرو عَن سعيد غير صَفْوَان بن سليم، وَلَا عَن الْمُغيرَة غير سعيد بن سَلمَة.
قَالَ الإِمام الشَّافِعِي: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من لَا أعرفهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن: يحْتَمل أَن يُرِيد سعيد بن سَلمَة، أَو الْمُغيرَة أَو كِلَاهُمَا.
وَالْجَوَاب: أَنه رَوَاهُ عَن سعيد غير صَفْوَان، رَوَاهُ عَنهُ: الجُلاَح، بِضَم الْجِيم، وَتَخْفِيف اللَّام، وَآخره حاء مُهْملَة. قَالَ أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور: وَخَالف أَبُو الْأسود أَصْحَابه، فَقَالَ: الجلاخ- بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. انْتَهَى- كنيته: أَبُو كثير، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من رِوَايَة قُتَيْبَة، عَن لَيْث، عَنهُ. وَلَفظه: أنَّ نَاسا أَتَوا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: إنَّا نبعد فِي الْبَحْر، وَلَا نحمل من المَاء إلاَّ الإِداوة والإِداوتين، لأنَّا لَا نجد الصَّيْد حَتَّى نبعد، فنتوضأ بِمَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ: «نعم، إنَّه الحِلُّ ميتَته، الطّهُور مَاؤُهُ».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْكَبِير، من طَرِيق: يَحْيَى بن بكير عَن اللَّيْث، بِسَنَدِهِ، وَلَفْظهمَا: كُنَّا عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا، فَجَاءَهُ صَيَّاد، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنَّنا ننطلق فِي الْبَحْر، نُرِيد الصَّيْد فَيحمل أَحَدنَا مَعَه الإِداوة، وَهُوَ يَرْجُو أَن يَأْخُذ الصَّيْد قَرِيبا، فَرُبمَا وجده كَذَلِك، وَرُبمَا لم يجد الصَّيْد حتَّى يبلغ من الْبَحْر مَكَانا لم يظنّ أَن يبلغهُ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِم، أَو يتَوَضَّأ فإنْ اغْتسل أَو تَوَضَّأ بِهَذَا المَاء فَلَعَلَّ أَحَدنَا يُهْلِكُه الْعَطش، فَهَل ترَى فِي مَاء الْبَحْر أَن نغتسل بِهِ، أَو نَتَوَضَّأ بِهِ إِذا خفنا ذَلِك؟ فَزعم أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «اغتسلوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا بِهِ، فَإِنَّهُ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته».
قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج مُسلم بالجلاح، أبي كثير.
قلت: وَرَوَاهُ عَن الجلاح أَيْضا: يزِيد بن أبي حبيب، وَعَمْرو بن الْحَارِث.
أما رِوَايَة عَمْرو: فَمن طَرِيق ابْن وهب، وَأما رِوَايَة يزِيد: فَمن طَرِيق اللَّيْث عَنهُ.
وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة: فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ:
فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا.
وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ، عَن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة.
ذكرهمَا الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك.
وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد: أخرجهَا أَيْضا فِيهِ، وَرَوَاهَا أَيْضا: أَحْمد بن عبيد الصَفَّار، صَاحب الْمسند. وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: فاتفاق صَفْوَان والجلاح، مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة، واتفاق يَحْيَى بن سعيد، وَسَعِيد بن سَلمَة، عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة، مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد، فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَنْدَه:
رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة، فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان.
قَالَ فِي شرح الإِلمام: فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين: بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي. والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم، مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف الحذر فِي الحروب بالمغرب.
قَالَ: وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة اثْنَيْنِ عَنهُ، وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لابد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة، بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ، فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل، فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك، وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك، وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة.
قلت: قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة صَرِيحًا، فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما، كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تهذيبه، وَكَذَلِكَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان، ذكرهمَا فِي كتاب الثِّقَات.
وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد، أَنه قَالَ: الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف. وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه، فارتفعت عَنْهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا، وجهالة الْعين بِمَا تقدم. وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ: التِّرْمِذِيّ، وَالْبُخَارِيّ، وَابْن الْمُنْذر، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَالْبَيْهَقِيّ، وَابْن مَنْدَه، وَالْبَغوِيّ، وَغَيرهم.
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك: مثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب الْمُوَطَّأ، وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا، لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن. قَالَ: عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنْهُمَا بمتابعات. فَذكرهَا بأسانيده.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن: الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة، أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ.
الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل: الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة.
فَقيل- كَمَا قَالَ الإِمام مَالك-: سعيد بن سَلمَة، من آل ابْن الْأَزْرَق. وَقيل: عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي. وَقيل سَلمَة بن سعيد.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك هما من رِوَايَة: مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ، وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك- مَعَ جلالته، وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ- أولَى.
وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر قَالَ: رُوَاة الْمُوَطَّأ اخْتلفُوا، فبعضهم يَقُول: من آل بني الْأَزْرَق، كَمَا قَالَ يَحْيَى. وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل الْأَزْرَق. وَكَذَا قَالَ القعْنبِي. وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل ابْن الْأَزْرَق، كَذَلِك قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَابْن بكير. قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير ضار.
قلت: وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ فِي كتاب الْمعرفَة: إنَّما لم يخرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة، والمغيرة بن أبي بردة.
وَهَذَا غير ضار؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنْهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم، فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما.
الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل: التَّعْلِيل بالإِرسال.
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: ذكر ابْن أبي عمر، والْحميدِي، والمخزومي، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن رجل من أهل الْمغرب- يُقَال لَهُ: الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة-: «أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر...» وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك.
قَالَ أَبُو عمر: هُوَ مُرْسل، وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم، وَأثبت من سعيد بن سَلمَة، وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم.
وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ: سعيدًا والمغيرة، وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما، وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه- بعد اشتهار سعيد والمغيرة- تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ، عَلَى إِسْنَاد من دونه، فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه، وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ، وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام: وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر- بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف، عَن مَالك، عَن صَفْوَان، سمع الْمُغيرَة أَبَا هُرَيْرَة.
وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا، عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ.
الْوَجْه الرَّابِع: التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ.
قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، والجلاح، من جِهَة اللَّيْث، وَعَمْرو بن الْحَارِث.
وَأما ابْن إِسْحَاق: فَرَوَاهُ عَن يزِيد، عَن جلاح، عَن عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي مُسْنده كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَتَى رجال من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر، نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث، فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع، ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا، فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا، وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا، وتوضأنا من الْبَحْر، وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك، فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا. فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «توضئوا مِنْهُ، فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه، الحِلُّ ميتَته».
وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق: سَلمَة بن سعيد، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة حَلِيف بني عبد الدَّار، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ البُخَارِيّ: وَحَدِيث مَالك أصح.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: اللَّيْث بن سعد أحفظ من مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده عَن يزِيد بن أبي حبيب، وَتَابعه عَلَى ذَلِك عَمْرو بن الْحَارِث عَن الجلاح، فَهُوَ أولَى أَن يكون صَحِيحا، وَقد رَوَاهُ يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة نَحْو رِوَايَة من رَوَاهُ عَلَى الصِّحَّة.
وَالِاخْتِلَاف عَلَى يَحْيَى بن سعيد فِيهِ كَبِير، وَقَالَ هشيم عَنهُ فِي رِوَايَة: عَن الْمُغيرَة بن أبي بَرزَة. وَحمل التِّرْمِذِيّ الْوَهم عَلَى هشيم فِي ذَلِك، وَحَكَاهُ عَن البُخَارِيّ، فَقَالَ: وهم فِيهِ هشيم، إنَّما هُوَ: ابْن أبي بردة، وَقد رَوَاهُ أَبُو عبيد عَن هشيم عَلَى الصَّوَاب، فقد يكون الْوَهم مِمَّن دونه.
قلت: وَقد جمع الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله، فَقَالَ مَا ملخصه: قيل: عَن صَفْوَان، عَن سعيد بن سَلمَة، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَه مَالك.
وَقيل: عَن سَلمَة بن سعيد- أَو عَكسه- عَن الْمُغيرَة بِهِ.
وَقيل: عَن سعيد، عَن أبي بردة بن عبد الله، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الله بن عَامر، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقيل: عَن جلاح، عَن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن جلاح، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن جلاح، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن جلاح، عَن أبي ذَر الْمصْرِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من بني مُدْلِج، «أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» الحَدِيث.
وَقيل: عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن الْمُغيرَة، عَن رجل من قومه، عَن رجل سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن الْمُغيرَة بن عبد الله- أَو عبد الله بن الْمُغيرَة- «أَن نَاسا من بني مُدْلِج سَأَلُوا النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» الحَدِيث.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أَبِيه، عَن رجل من بني مُدْلِج، اسْمه عبد الله، مَرْفُوعا. وَقيل: عَن يَحْيَى عَن الْمُغيرَة بن عبد الله- أَو عبد الله بن الْمُغيرَة-، عَن رجل من بني مُدْلِج، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن أبي بردة مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة، عَن بعض بني مُدْلِج مَرْفُوعا. وَهُوَ فِي مُسْند أَحْمد.
وَقيل: عَن الْمُغيرَة، عَن عبد الله المدلجي، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن جَعْفَر بن ربيعَة، عَن بكر بن سوَادَة، عَن مُسلم بن مخشيِّ، عَن الفراسيِّ، مَرْفُوعا.
وَقيل: عَن يَحْيَى بن عبَّاد، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وأشبهها بِالصَّوَابِ قَول مَالك، وَمن تَابعه، عَن صَفْوَان بن سليم.
الطَّرِيق الثَّانِي من طرق الحَدِيث: عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِل عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطَّهور مَاؤُهُ، الحِلُّ ميتَته».
رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي الْمسند، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا، وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا. وتَرْجَم عَلَيْهِ ابْن حبَان، بِأَن قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أنَّ هَذِه السُّنَّة تفرَّد بهَا سعيد بن سَلمَة.
وَعَن الْحَافِظ أبي عَلّي ابْن السكن أَنه قَالَ: حَدِيث جَابر هَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب.
وَخَالف ابْن مَنْدَه فِي ذَلِك، وَقَالَ: قد رَوَى هَذَا الحَدِيث عبيد الله بن مقسم عَن جَابر، والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا يثبت.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: عِنْدِي أنَّ قَول أبي عَلّي بن السكن فِي تَقْوِيَة حَدِيث جَابر، أَقْوَى من قَول ابْن مَنْدَه. وَذَلِكَ أَن عبيد الله بن مقسم مَذْكُور فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين الشَّيْخَيْنِ، وَإِسْحَاق الْمدنِي الْمَذْكُور فِي الطَّرِيقَة الأولَى- يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَة المتقدمون خلا طَريقَة الْحَاكِم- وثَّقَه أَحْمد، وَيَحْيَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. وأَبُو الْقَاسِم بن أبي الزِّنَاد- الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا- اسْمه كنيته أَثْنَى عَلَيْهِ أَحْمد، وَقَالَ يَحْيَى: لَا باس بِهِ. قَالَ: وَيُمكن أَن يكون ابْن مَنْدَه علَّل الحَدِيث باختلافٍ فِي إِسْنَاده.
ثمَّ ذكر أنَّ عبد الْعَزِيز بن عمرَان رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيَّات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر، عَن أبي بكر كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
قلت: بحث مَعَه شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي، الْمَعْرُوف بِابْن سيد النَّاس- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَقَالَ فِي شرح التِّرْمِذِيّ: هَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين عَن ابْن مَنْدَه لَا يصلح أَن يكون مُعَلِّلاً لرِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد، عَن إِسْحَاق. لتوثيق ابْن أبي الزِّنَاد، وَضعف عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن أبي ثَابت عِنْدهم، وَرِوَايَة الضَّعِيف لَا تُعِلُّ رِوَايَة الثِّقَة.
قلت: وَلِحَدِيث جَابر هَذَا طَرِيق آخر، ذكره الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث: الْمعَافى ابْن عمرَان، عَن ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْبَحْر: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحَلَال ميتَته».
وهَذَا سَنَد عَلَى شَرط الصَّحِيح، إلاَّ أَنه يُخْشَى أَن يكون ابْن جريج لم يسمعهُ من أبي الزبير، فإنَّه مدلِّس، وَأَبُو الزبير مدلِّسٌ أَيْضا، وَقد عنعنا فِي هَذَا الحَدِيث.
وَقد تَابع ابْن جريج: مباركُ بن فضَالة، فَرَوَاهُ عَن أبي الزبير عَن جَابر، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إنَّ البحْرَ حلالٌ ميتتهُ، طَهُورٌ ماؤُه».
ومبارك هَذَا كَانَ يدلِّس أَيْضا، وضعَّفه أَحْمد، وَالنَّسَائِيّ.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سُريج- بِالْجِيم- بن النُّعْمَان، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي التَّيَّاح- بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق، بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة، واسْمه: يزِيد بن حميد الضبعِي-، عَن مُوسَى بن سَلمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: سُئِل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «مَاء الْبَحْر طهُور».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَله شَوَاهِد كَثِيرَة، وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: مُوسَى بن سَلمَة: هُوَ المحبق، أخرج لَهُ مُسلم، وَقد صحَّح بعض الحفَّاظ حَدِيثا من رِوَايَة حَمَّاد، عَن أبي التياح، عَنهُ. وَبَاقِي السَّنَد مَشْهُور.
وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ فِي سنَنه: الصَّوَاب وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن مُسلم بن مخشي، عَن ابْن الفِراسي- بِكَسْر الْفَاء وَالسِّين الْمُهْملَة- قَالَ: كنت أصيد، وَكَانَت لي قربَة أجعَل فِيهَا مَاء، وَإِنِّي تَوَضَّأت بِمَاء الْبَحْر، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ، الْحل ميتَته».
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه كَذَلِك ابْن الفراسي، وَالتِّرْمِذِيّ، قَالَ فِي جامعه: الفراسي عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن عبد الْبر، وَذكر: أَن إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم، وَأَن الفراسي مَجْهُول فِي الصَّحَابَة غير مَعْرُوف.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: إِن كَانَ مُرَاد أبي عمر مَجْهُول الْحَال، مَعَ إِثْبَات كَونه من الصَّحَابَة، فقد اشْتهر بَين أَرْبَاب الْأُصُول والْحَدِيث، أنَّ ذَلِك لَا يضر، لعدالة جَمِيع الصَّحَابَة. وإنْ أَرَادَ مَجْهُول الصُّحْبَة، فقد أثبت البُخَارِيّ صحبته، فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي علله، فِيمَا ذكر عَنهُ.
وَعَابَ عبد الْحق سَنَد هَذَا الحَدِيث بِأَن قَالَ: لم يَرْوِه- فِيمَا أعلم- إلاَّ مُسلم بن مخشي، وَمُسلم لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ بكر بن سوَادَة.
وتعقَّبه ابْن الْقطَّان، فَقَالَ فِي كِتَابه الْوَهم والإِيهام: أَظن أنَّه خَفِي عَلَى عبد الْحق انْقِطَاع حَدِيث الفراسي، وَهُوَ حَدِيث لم يسمعهُ مُسلم من الفراسي، وإنَّما سَمعه من ابْن الفراسي عَن الفراسي.
ثمَّ ذكر رِوَايَة أبي عمر بِإِسْنَادِهِ إِلَى بكر بن سوَادَة، عَن مُسلم بن مخشي: أَنه حدَّث أنَّ الفراسي قَالَ: «كنت أصيد فِي الْبَحْر الْأَخْضَر، عَلَى أَرْمَاث...» الحَدِيث.
قَالَ: وَمَا أرَى أَبَا مُحَمَّد وقف عَلَيْهِ إلاَّ عِنْد ابْن عبد الْبر، وَلذَلِك مَا نقل فِيهِ مَا قَالَ فِي حَدِيث «إِذا كنت سَائِلًا فسل الصَّالِحين»، حَيْثُ قَالَ: ابْن الفراسي لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ مُسلم بن مخشي. وَذَلِكَ أَنه لم يرَ فِي حَدِيثه هَذَا لِابْنِ الفراسي ذكرا، وَرَآهُ فِي حَدِيث سل الصَّالِحين. وَمن هُنَاكَ يتَبَيَّن: أَن مُسلم بن مخشي لَا يَروي عَن الفراسي إلاَّ بِوَاسِطَة ابْنه، والْحَدِيث الْمَذْكُور ذكره فِي الزَّكَاة من حَدِيث النَّسَائِيّ، من رِوَايَة: مُسلم بن مخشي عَن ابْن الفراسي أَن الفراسي قَالَ لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أسألُ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «لَا، وإنْ كنتَ لابدَّ سَائِلًا فسلِ الصَّالِحين».
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله: سَأَلت مُحَمَّدًا- يَعْنِي البُخَارِيّ- عَن حَدِيث ابْن الفراسي فِي مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: مُرْسل، لم يدْرك ابْن الفراسي النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، والفراسي لَهُ صُحْبَة.
فَهَذَا- كَمَا ترَى- يُعْطي أنَّ الحَدِيث يُروى أَيْضا عَن ابْن الفراسي، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يذكر فِيهِ الفراسي، فَمُسلم بن مخشي لَا يروي إلاَّ عَن الابْن، وَرِوَايَته عَن الْأَب مُرْسلَة. انْتَهَى مَا ذكره ابْن الْقطَّان.
فتبيَّن بِهَذَا: أَن الحَدِيث إمَّا مُنْقَطع بَين مُسلم بن مخشي والفراسي، أَو مُرْسل بَين ابْن الفراسي وَالنَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وجوَّز الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام أَن يكون ابْن الفراسي والفراسي وَاحِدًا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ: رِوَايَة ابْن مَاجَه- الْمُتَقَدّمَة- فإنَّ ظَاهرهَا أنَّ ابْن الفراسي هُوَ الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسمع مِنْهُ ذَلِك، قَالَ: فَإِذا ضُمَّ إِلَى ذَلِك رِوَايَة من رَوَى: الفراسي، اقْتَضَى أَنَّهُمَا وَاحِد اخْتلف فِي اسْمه.
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ميتةُ البحرِ حلالٌ، وماؤهُ طَهُورُ».
رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْحَافِظ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل، كِلَاهُمَا عَن: مُحَمَّد بن إِسْحَاق، نَا الحكم بن مُوسَى، نَا هِقْل، نَا الْمثنى، عَن عَمْرو بِهِ. كَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: بدل الْمثنى: الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو.
وَهُوَ إِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم، خلا تَرْجَمَة عَمْرو بن شُعَيْب، فإنَّ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الصغاني، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة الْحَاكِم، وَهُوَ الْحَافِظ، الرحَّال، أخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وَقَالَ ابْن خرَاش: ثِقَة مَأْمُون.
والحكم بن مُوسَى: هُوَ الْقَنْطَرِي، الزَّاهِد، أخرج لَهُ مُسلم، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَهُوَ ثِقَة، وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين.
وهقل: هُوَ ابْن زِيَاد، السكْسكِي، كَاتب الْأَوْزَاعِيّ، أخرج لَهُ مُسلم، وَالْأَرْبَعَة، وَهُوَ ثَبت. وَالْأَوْزَاعِيّ: ناهيك بِهِ.
وَعَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: احْتج بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وسنعقد فِي ذَلِك فصلا فِي بَاب الْوضُوء إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
والمثنَّى- الْمَذْكُور فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ-: هُوَ ابْن الصَبَّاح، قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: لَيِّن الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك.
وقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَأَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، نَا جَعْفَر القلانسي، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، نَا ابْن عَيَّاش، قَالَ: حَدَّثَنَي الْمثنى بن الصَّباح، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «ميتةُ البحرِ حلالٌ، وماؤهُ طَهورٌ».
ابْن عَيَّاش هَذَا: هُوَ إِسْمَاعِيل، أَبُو عتبَة، الْحِمصِي، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَحَدِيثه عَن الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيف، بِخِلَاف الشاميين. والمُثنَّى بن الصَّباح: مكي، فَتكون هَذِه الطَّرِيقَة ضَعِيفَة. قَالَ يزِيد بن هَارُون: مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيِّنٌ. وَقَالَ البُخَارِيّ: إِذا حَدَّث عَن أهل حمص فَصَحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى: لَا بَأْس بحَديثه إِذا حدَّث عَن الشاميين، فَإِذا عداهم إِلَى حَدِيث أهل الْمَدِينَة جَاءَ بِمَا لَا يُتَابع عَلَى أَكْثَره.
قلت: والاعتماد إِنَّمَا هُوَ عَلَى الطَّرِيق الأول، وَهَذِه مُتَابعَة لَهُ.
الطَّرِيق السَّادِس: عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: سُئل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، من حَدِيث: معَاذ بن مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَلّي، حَدَّثَنَي أبي، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَلّي- كرَّم الله وَجهه- قَالَ: سُئل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم... الحَدِيث.
هَذَا إِسْنَاد عَجِيب. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: فِيهِ من يحْتَاج إِلَى معرفَة حَاله.
قلت: وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: هُوَ ابْن عقدَة، وَقد ضَعَّفوه، وَإِن كَانَ حَافِظًا.
الطَّرِيق السَّابِع: عَن مَالك بن أنس، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّا نركب الْبَحْر، ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء، فإنْ توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ من مَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غرائب حَدِيث مَالك، قَالَ: وَهُوَ بَاطِل بِهَذَا الإِسناد، مقلوب، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ: عَن صَفْوَان بن سليم، عَن سعيد بن سَلمَة، عَن الْمُغيرَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَفِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ فِي أول الصَّيْد والذبائح، من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة، أَنه سَأَلَ ابْن عمر- رَحْمَة الله عَلَيْهِ-: آكل مَا طفا عَلَى المَاء؟ قَالَ: إنَّ طافيته ميتَة، وَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إنَّ مَاءَهُ طهُور، وميتته حل».
الطَّرِيق الثَّامِن: عَن أبي بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئل عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتهُ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث: عبد الْعَزِيز بن أبي ثَابت، عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر بن عبد الله، عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وَعبد الْعَزِيز هَذَا أحد المتروكين. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يُكتب حَدِيثه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير.
ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَى أبي بكر الصّديق، بِإِسْنَاد صَحِيح.
وَقَالَ فِي علله: هَذَا حَدِيث تفرَّد بِهِ عبد الْعَزِيز بن عمرَان الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مديني، ضَعِيف الحَدِيث. رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر، عَن أبي بكر مَرْفُوعا. وَإِسْحَاق بن حَازِم هَذَا: شيخ مديني، لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقد اخْتُلف عَنهُ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، فَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم بن أبي الزِّنَاد، عَن إِسْحَاق بن حَازِم، عَن عبيد الله بن مقسم، عَن جَابر مَرْفُوعا، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا بكر. حدَّث بِهِ عَنهُ كَذَلِك: أَحْمد بن حَنْبَل.
قَالَ: وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث عَن أبي بكر الصّديق، مَوْقُوفا من قَوْله، غير مَرْفُوع، من رِوَايَة صَحِيحَة عَنهُ، حدَّث بِهِ: عبيد الله بن عمر، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر قَوْله، وَرَوَاهُ ابْن زَاطِيَا عَن شيخ لَهُ من حَدِيث: عبيد الله بن عمر، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر مَرْفُوعا، وَوهم فِي رَفعه، وَالْمَوْقُوف أصح. أه وَذكر الحَدِيث مَرْفُوعا: ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ، فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن عمرَان، ثمَّ قَالَ: وَالْخَبَر عَن أبي بكر الصّديق مَشْهُور قَوْله، غير مَرْفُوع، من حَدِيث: عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن أبي بكر.
الطَّرِيق التَّاسِع: عَن أبان بن أبي عَيَّاش، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْبَحْر: «الْحَلَال ميتَته، الطّهُور مَاؤُهُ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، وَقَالَ أبان هَذَا مَتْرُوك. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن رجل من الْأَنْصَار، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: ماءان لَا ينقيان من الْجَنَابَة: مَاء الْبَحْر، وَمَاء الحَمَّام.
وَكَذَا رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة، لكنه قَالَ: «لَا يجزيان» بدل: «لَا ينقيان».
وقَالَ معمر: ثمَّ سَأَلت يَحْيَى عَنهُ بعد حِين، فَقَالَ: قد بَلغنِي مَا هُوَ أوثق من ذَلِك، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئل عَن مَاء الْبَحْر فَقَالَ: «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ، حل ميتَته».
ثمَّ رَوَى عَن ابْن جريج عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ، حَلَال ميتَته».
ثمَّ رَوَى عَن الثَّوْريّ حَدِيث أبان، عَن أنس السالف قَرِيبا.
وَاعْلَم أَن هَذِه الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا آخرا، وفيهَا ضعف، لَا يقْدَح فِي الطّرق السَّابِقَة، وإنَّما ذَكرنَاهَا للتّنْبِيه عَلَيْهَا.
ونختم الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث بخاتمتين:
إِحْدَاهمَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث: سعيد بن ثَوْبَان، عَن أبي هِنْد، عَن أبي هُرَيْرَة، أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من لم يُطَهِّره مَاء الْبَحْر، فَلَا طَهَّره الله».
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن.
قلت: فِيهِ نظر؛ فإنَّ فِيهِ: مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار، أما الأول: فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه- فِي بَاب فرض الْجدّة والجدتين-: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَأما الثَّانِي: فَقَالَ أَحْمد بن عَلّي الأبَّار: سَأَلت زنيجًا أَبَا غَسَّان عَنهُ، فَقَالَ: تركته. وَلم يرضه، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِذَاكَ.
الثَّانِيَة: فِي التَّنْبِيه عَلَى ضبط الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِيهِ، وَبَعض فَوَائده، بأوجز عبارَة، فَإِنَّهُ حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الطَّهَارَة، مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام كَثِيرَة، وقواعد مهمة. قَالَ المارودي- من أَصْحَابنَا- فِي الْحَاوِي: قَالَ الْحميدِي: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث نصف علم الطَّهَارَة. فَنَقُول:
أَولهَا: الْبَحْر: هُوَ المَاء الْكثير، ملحًا كَانَ أَو عذبًا. مِمَّن نَص عَلَى ذَلِك: ابْن سَيّده فِي الْمُحكم، قَالَ: وَقد غلب عَلَى الْملح، حتَّى قلَّ فِي العذب، وصرفوه عَلَى مَعْنَى الملوحة. وَقَالَ القَزَّاز: إِذا اجْتمع الْملح والعذب سموهُ باسم الْملح، أَي: بحرين. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ}، قَالَ: وسُمي بذلك لسعته، من قَوْلهم: تَبحَّر الرجل فِي الْعلم. أَي: اتَّسع. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: سميت الْأَنْهَار: بحارًا؛ لِأَنَّهَا مشقوقة فِي الأَرْض شقًّا، وَمِنْه سميت البَحِيْرَة.
الثَّانِيَة: الطّهُور بِفَتْح الطَّاء: اسْم للْمَاء، وَبِضَمِّهَا: اسْم للْفِعْل. هَذَا هُوَ أشهر اللُّغَات فِيهِ. وَقيل: بِالضَّمِّ فيهمَا. وَقيل: بِالْفَتْح فيهمَا.
الثَّالِثَة: قَوْله «الحِلُّ»: هُوَ بِمَعْنى الْحَلَال، كَمَا يُقَال فِي ضِدّه: حرم، وَحرَام، وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: «الْحَلَال ميتَته». كَمَا تقدم.
الرَّابِعَة: قَوْله: «ميتَته»: هُوَ بِفَتْح الْمِيم؛ لِأَن المُرَاد: الْعين الْميتَة، وَأما الْميتَة بِكَسْر الْمِيم: هَيْئَة الْمَوْت.
قَالَ الْمبرد: المِيتة: الْمَوْت، وَهُوَ من أَمر الله- عزَّ وجلَّ- يَقع فِي الْبر وَالْبَحْر، لَا يُقَال فِيهَا: لَا حَلَال، وَلَا حرَام. وَلَا مَعْنَى لهَذَا هُنَا.
قَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه إصْلَاح الْخَطَأ- ثمَّ الشَّيْخ زكي الدَّين-: وعوامّ الروَاة يولعون بِكَسْر الْمِيم فِي هَذَا الموطن، وَهُوَ خطأ.
وَكَذَا قَالَ صَاحب الْمَشَارِق: من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ فقد أَخطَأ.
قَالَ الشَّيْخ فِي الإِمام: قَالَ بَعضهم: يُقَال فِي الْحَيَوَان: ميتَة، وَفِي الأَرْض: ميت، بِغَيْر هَاء، قَالَ تَعَالَى: {إِلَّا أَن يكون ميتَة}، وَقَالَ تَعَالَى: {وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا}. قَالَ: وَهَذَا يرد عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة}. أ.هـ.
و{الْميتَة}: بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، بِمَعْنى وَاحِد فِي موارد الِاسْتِعْمَال، وَفصل بَعضهم بَينهمَا. قَالَ البَطَلْيَوسي فِي شرح أدب الْكَاتِب: فرَّق قوم بَين الْمَيِّت بِالتَّخْفِيفِ، والميِّت بِالتَّشْدِيدِ فَقَالُوا: الأول مَا قد مَاتَ، وَالثَّانِي مَا سيموت. وَهَذَا خطأ. ثمَّ أوضحه ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره، نقل هَذَا أَيْضا، إلاَّ أَنه قَالَ: بِالتَّشْدِيدِ يُستعمل فِيمَا مَاتَ، وَفِيمَا لم يَمُتْ بعد.
الْخَامِسَة: الأَرْمَاث الْمَذْكُور فِي بعض رويات الحَدِيث، هُوَ: بِفَتْح الْهمزَة، وبالراء الْمُهْملَة، وَآخره ثاء مُثَلّثَة، جمع: رَمَث: بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم، وَهِي: خشب يُضم بعضُها إِلَى بعض، ويُركَبُ عَلَيْهَا فِي الْبَحْر.
السَّادِسَة: قَوْله: «فَيَعْزُبُ فِيهِ الليلتين وَالثَّلَاث». يجوز أَن يُقرأ بالغين الْمُعْجَمَة، وَالرَّاء الْمُهْملَة؛ أَي: يبعد. وبالعين الْمُهْملَة، وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، يُقَال: عَزَبَ بِالْفَتْح، يَعْزُبُ بِالضَّمِّ؛ أَي: بَعُدَ. أفادهما الشَّيْخ فِي الإِمام.
السَّابِعَة: أنهَى بَعضهم إِعْرَاب قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «الطهورُ ماؤهُ، الحِلُّ ميتتهُ» إِلَى قريب من عشْرين وَجها، كَمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام، فِي كثير مِنْهَا تكلّف وإضمار لَا يظْهر الدّلَالَة عَلَيْهَا، قَالَ: فتركنا أَكْثَرهَا، واقتصرنا عَلَى أَرْبَعَة أوجه:
الأول: أَن يكون «هُوَ»: مُبْتَدأ، والطّهُور: مُبْتَدأ ثَانِيًا، وَخَبره: مَاؤُهُ، وَالْجُمْلَة من هَذَا الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره، خبر الْمُبْتَدَأ الأول.
الثَّانِي: أَن يكون «هُوَ» مُبْتَدأ، الطّهُور خَبره، وماؤه من بدل الاشتمال.
الثَّالِث: أَن يكون «هُوَ» ضمير الشَّأْن، و«الطّهُور مَاؤُهُ»: مُبْتَدأ وخبرًا.
الرَّابِع: أَن يكون «هُوَ» مُبْتَدأ، والطّهُور خَبره، و«مَاؤُهُ» فَاعل؛ لِأَنَّهُ قد اعْتمد عَامله بِكَوْنِهِ خَبرا.
الثَّامِنَة: فِيهِ جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء الْبَحْر، وَبِه قَالَ جَمِيع الْعلمَاء، إلاَّ ابْن عمر، وَابْن عَمْرو، وَسَعِيد بن الْمسيب، وتقدَّم قبل ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة، ورِوَايَته الحَدِيث «أَنه طهُور» ترده، وَكَذَا رِوَايَة عبد الله بن عمر أَيْضا.
التَّاسِعَة: فِيهِ أنَّ الطّهُور، هُوَ المطهر، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة، حَيْثُ قَالُوا: هُوَ الطَّاهِر. حجَّة الْجُمْهُور: أَنهم سَأَلُوا عَن طهوريته، لَا عَن طَهَارَته.
الْعَاشِرَة: فِيهِ أَن ميتات الْبَحْر كلهَا حَلَال، لَكِن يُسْتَثْنَى عندنَا الضفدع، والسرطان، لدَلِيل خَصَّهما.
الْحَادِيَة عشرَة: فِيهِ أَن السّمك الطافي- وَهُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْبَحْر بِغَيْر سَبَب- حَلَال، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل.
الثَّانِيَة عشرَة: فِيهِ أَن ركُوب الْبَحْر جَائِز، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يهيج، ويغلب عَلَى الظَّن الْهَلَاك، فَلَا لدَلِيل آخر.
الثَّالِثَة عشرَة: فِيهِ أَن المَاء إِذا خالطه مَاء أَزَال عَنهُ اسْم المَاء الْمُطلق، لم يجز الطَّهَارَة بِهِ عندنَا، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، وجوَّزه أَبُو حنيفَة. وَمَوْضِع الدّلَالَة لِلْجُمْهُورِ: أَنهم شَكُّوا فِي جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء الْبَحْر من أجل ملوحته، فسألوا عَنهُ، فَلَو لم يكن التَّغَيُّر فِي الْجُمْلَة مؤثرًا لم يسْأَلُوا عَنهُ.
الرَّابِعَة عشرَة: فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئل عَن شَيْء، وَعلم أنَّ بالسائل حَاجَة إِلَى أَمر آخر مُتَعَلق بِالْمَسْأَلَة، يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ، ويعلمه إِيَّاه؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن مَاء الْبَحْر، فَأُجِيب بمائه وَحكم ميتَته؛ لأَنهم يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَام كَالْمَاءِ، وَإِذا جهلوا كَونه مطهرًا فجهالتهم حل ميتَته أولَى، ونظائر هَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث.
الْخَامِسَة عشرَة: اسْم السَّائِل عَن الْبَحْر هُوَ: العَرَكي- بِفَتْح الْعين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ- هَكَذَا قَالَه السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب.
وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني- أَي: بِسَنَدِهِ- عَن العركي، أَنه سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَاء الْبَحْر، فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته».
وغَلَّطُوه- أَعنِي السَّمْعَانِيّ- فِي قَوْله: اسْمه العركي، وَإِنَّمَا العركي وصفٌ لَهُ، وَهُوَ: مَلاَّح السَّفِينَة.
وتبعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره معرفَة الصَّحَابَة، فَقَالَ: هُوَ اسْم يشبه النِّسْبَة، وَفِيه النّظر الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، وإنَّما اسْمه: عبيد، وَقيل: عبد، بِالتَّصْغِيرِ وَالتَّكْبِير. وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ: الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ، فَقَالَ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة: عبد، أَبُو زَمعَة، البلوي، الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَاء الْبَحْر، قَالَ ابْن منيع: بَلغنِي أَن اسْمه: عبيد. وَأوردهُ الطَّبَرَانِيّ فِيمَن اسْمه عبيد. وَأوردهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بالعركي، والعركي: هُوَ الملاح، وَلَيْسَ لَهُ باسم. هَذَا لفظ أبي مُوسَى برمتِهِ. وَفِي علل أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ: أَن اسْمه عبد الله، كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة لَا بَأْس بهَا. وَقد تقدم أَن السَّائِل هُوَ: الفِراسي، أَو ابْن الفِراسي. وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند: يُقَال: إنَّ هَذَا الرجل كَانَ من بني مُدْلِج.
قلت: قد ورد هَذَا صَرِيحًا، مَجْزُومًا بِهِ فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير، فَرَوَاهُ بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة، عَن المدلجي، «أَنه أَتَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» فَذكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بشكوال: إِنَّه عِنْده العركي، وَكَذَا أَبُو الْوَلِيد فِي مشتبه النِّسْبَة من تأليفه، ثمَّ قَالَ: وَقيل: هُوَ عبد الله المدلجي، وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك. وَهَذَا الَّذِي قَالَه السَّمْعَانِيّ، وَأَبُو مُوسَى، والرافعي: إِنَّمَا ينفعنا فِي رِوَايَة من رَوَى: أَن رجلا سَأَلَ، أَو سَائِلًا سَأَلَ. فَأَما الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: أَن رجَالًا من بني مُدْلِج، أَو نَاسا، فَيحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَن اسمهم، وَالظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة.
وَالْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث منتشر جدا، لَا يسعنا هُنَا استيعابه، وَقد نبَّهنا بِمَا ذكرنَا عَلَى كثير مِمَّا تركنَا، ولعلنا نفرده بالتصنيف- إِن شَاءَ الله وقَدَّر.
وَقد فعل ذَلِك- وَله الْحَمد- فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، فِي جُزْء لطيف.